الصورة الغواية والاقتحام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

23032008

مُساهمة 

الصورة الغواية والاقتحام




الصورة الغواية والاقتحام
بقلم: عمر الغدامسي
__________
قبل أن تكون فنا ووسيلة للتعبير فان الصورة الفوتوغرافية هي قبل كل شيء اختراع علمي، ليس ذلك فقط، بل هي اختراع علمي في علاقة واسعة ومباشرة مع الناس بمختلف شرائحهم.
اختراع علمي كان له مفهوم السحر والغواية واثارة الفتنة بين العامة والخاصة، عبّر عنها شارل بودلير بالقول «انّ المجتمع يهجم كنرسيس وحيد، لكي يتأمل صورته المبتذلة في المعدن».

ISAMK
Admin

ذكر عدد الرسائل : 220
السٌّمعَة : 10
نقاط : 135
تاريخ التسجيل : 31/07/2007

http://www.isamk.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

الصورة الغواية والاقتحام :: تعاليق

مُساهمة في الأحد مارس 23, 2008 8:01 pm من طرف ISAMK

في كتاب صدر في أوائل التسعينات وعنوانه «أصدقاء الشمس» لبرتران ماري. يقدم الاخير وصفا لتفاصيل تلك الغواية والمجتمع تحوّل الى نرسيس وحيد كما يقول بودلير في اشارة أو استعارة دلالية لأسطورة نرسيس الاغريقية الذي اكتشف صورته على صفحة الماء فافتتن بنفسه يقول برتران : تكاثرت الاستوديوهات في نيويورك فلاحقها العديد من الفضوليين وكان بعض مصلحي الساعات وبعض صانعي الاسنان يرتجلون مهنة التصوير ولم يكن الكثير من المصورين يتحكمون في عملهم، كانوا يدعون (مصوري الصدور الزرقاء) لأنّ القميص الابيض المكوي الذي يرتديه الموديل قد لطخته بقعة سوداء ضاربة الى الزرقة. أما البعض منهم فقد كان عليهم أن يلتقطوا صورتين أو ثلاث حتى يتأتى لهم استخراج صورة مقبولة وهذا ما يرفع التكلفة. غير أنّهم كانوا ينحون باللائمة على «الموديل» وكان آخرون أقل تشككا وترددا ويبيعون صورا كلها سوداء مطمئنين الزبون بأن الصورة ستظهر في وقت لاحق. كان هذا في نيويورك سنة 1845 ومحيطها.
أما في باريس فقد ظلت أسماء المحلات وفية لهذا الاختراع حيث نقرأ عبارات مثل «الى عبقرية التصوير»... «الى عجائب الفن الجديد» وكان شارع سان لازار يعرف باسم شارع سان نادار المصور المشهور وفيه أقام محترف يتردد عليه أكابر القوم.
ويتحدث المؤلف عن تفاصيل كثيرة أخرى من بينها كيف أن السيدات كن يطبعن صورهن على سوار أو مشبك وكان من احلام الناس آنذاك امتلاك مذكرة بالصور تجمع كل الكائنات العزيزة عليهم في العالم.
لا نملك صورة واضحة ومدونة عن الكيفية التي تقبّلت بها مجتمعاتنا العربية الاسلامية آلة التصوير وفكرة الوقوف أمامها للحصول على صورة، لكن من الواضح أن ظهور هذه الآلة العجيبة في مجتمعاتنا اقترن بظهور الآخر القوي / المهيمن.
أتذكّر شيئا من أيام الطفولة، كنت أقطن بالمدينة العتيقة بتونس وكان أكثر شيء يلفت انتباهنا ونحن أطفال هم اولئك السواح الشقر الذين يتكلمون لغات مبهمة عديدة، كان أكثر شيء مثير في تصرفاتهم وقوفهم المتكرر بآلات التصوير لالتقاط صور لأشياء ومشاهد تبدو عادية بالنسبة الينا، أذكر وقتها أننا كنا نهرب من عدساتهم كلما أحسسنا أنها موجهة / مصوّبة الينا وأذكر خاصة ما اعتقدناه حقيقة لا أعرف كيف تسربت الىأذهاننا وهي أنه لا يجب الاطمئنان لعدساتهم، فهم يصوروننا وعندما يعودون الى بلدانهم يعالجونها بطريقة نظهر فيها بعد استخراج الصور عاريين لقد كنا من خلال هذه التخيلات نصنع صورة عن الآخر، تأثر لنا منه.
تأثر من اقتحامه لذواتنا الطفولية الصغيرة. تأثر من تلك التقنية العجيبة والتي يحملها بكف اليد الواحدة، ثأر اختزل الآخر في حقل جنسي غريزي شيطاني يثير الخوف والريبة.
انّ تلك الصورة التي رسمتها عقولنا الطفولية الصغيرة لتختزل في عمقها تعبيرا عن مفهوم الصورة في علاقته بالمحرم فالصورة هي الظهور والإظهار، هي تعرية وفضح، إنّها ضدّ التستر. وهي في ذلك امتداد ووليد شرعي للثقافة الغربية المعاصرة والحديثة التي تقوم على الإظهار والكشف مقابل الثقافة التقليدية التي تقوم على الحجب والإخفاء. الصورة احتفاء بالعين، والعين تبدأ عندما ينتهي الماورائي المتعالي، الغيبي واللامرئي.
العين هي الملاحظة والملاحظة هي أساس العلم والاكتشاف والنظرة النقدية للاشياء واقتحام المجهول والمبهم والسري، فالعين هي استفزاز للموجودات والظواهر من أجل أن تكشف عن نفسها وتعري أسرارها. يتحدث بيير بورديو عن وظيفة او بالاحرى عن دلالة أساسية للصورة حيث يقول : ان افتتان الإنسان بالصورة هو تعبير عن حبّه لنفسه، لجسده ومن يحتقر الصورة فانه يحتقر الجسد بأن يعتبره مصدر فتنة وخجل مآله الإخفاء والتغييب اذن فانّ الصورة هي احتفال الانسان بذاته، وهي بهذا المعنى سجل حاضر وهو يتهيأ لأن يكون ذكرى، ذكرى ستنطبع وتترسخ لتكون دوما مستعادة وماثلة امام ابصارنا متى رغبنا. كل ذلك لإرواء حضورنا الدائم وخلودنا المفقود، أليس ذلك ما يفعله الجنس أيضا في بعديه :
1 ـ المتعة من حيث أنه ولادة وموت وبعث للجسد وطاقته.
2 ـ ومن حيث هو وظيفة اجتماعية للتناسل والاستمرار.
كلمة «ايماغو» اللاتينية والتي تعني الصورة «إيماج» Image كلمة تعني القناع الشمعي الذي يوضع على وجوه الموتى من الخاصة والأعيان ويحتفظ به في صناديق بعيدة عن العيون، لقد كان هذا التقليد شائعا في الغرب حيث كان للنبلاء الحق لوحدهم في هذا الإيهام بالخلود، هكذا نتبيّن علاقة الصورة بالخلود وغوايته. ان قوة الصورة وسلطتها نابعة من هذا العمق الذي يختزل ما هو مادي وروحي في الانسان من خلال الجنسي بوصفه حقل دلالي عن ما هو اشباع للذات والإمتلاء بها ومقاومة للموت.
للصورة علاقة بالمجال الحيوي للحياة أي الانسان وسؤاله الجوهري عن الموت والخلود. لقد اختفت تلك التركيبات التي أخفت اسرار حفظ المومياء الفرعونية في تلك الرقائق والمكياكنيكا الموجودة في آلات التصوير.
انّ الصورة عزاء للإنسان وهو يواجه قدره ومحدوديته في الزمن لكنها في ذات الوقت طاقته الوحيدة لتأكيد ذاته في كتابه «حياة الصورة وموتها» كتب رجيس دوبريه ما يلي: «ليست حركية الصورة والكلمة من نفس الطبيعة ووجهتهما ليست هي نفسها. فالكلمات تقذف بنا نحو الأمام فيما ترمي بنا الصورة في الخلف من حيث هي أثر لذكرى وهذا التراجع في زمن الفرد والجنس الانساني يعتبر مسرعا ومحركا للقوة. انّ المكتوب نقدي اما الصورة فنرجسية.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى