تجليات الخط القيرواني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

29052008

مُساهمة 

تجليات الخط القيرواني




تجليات الخط القيرواني

حسين القهواجي
«منذ أربعين عاما لم يجف لي قلم»
القصري
«كلما كنت بالكتابة أحذق كنت بالانسانية أحق»
التوحيدي

قبل أن تبنى المدينة وتشيد حصونها الطينية في وهدة وسطى من الأرض، لتكون قرارة الدين وعمق العقيدة، عرفت حلقات الشورى كتبة وخطاطين حبسوا رقوق مدوناتهم الشبيهة بلون الشهد على مساجد ومحارس بناها اخيار الصحابة والتابعين ممن دخلوا افريقية في خلافة عثمان سنة اربع وثلاثين للهجرة، على رأسهم معاوية بن خديج، وأغلب الظن أن ألواح العهود والرقاع الاولى كانت من تحرير بنانه دون وشي أو تنقيط والغاية أن يكون الخط إلهيا منزها.
حيث لا نجد هذا الصنف الا في بواكير الرسائل الشريفة التي بعث بها الرسول الكريم الى الملوك بقلم زيد بن ثابت، وكذلك في مصحف عثمان بن عفان كان نسخ المهاجرون على غراره وهم يطوون الطريق الى القيروان الموعودة.
أصل هذا الصنف كوفي مبسوط لا يحفل بالمستدير ويرغب في الأرباع والزوايا، تحسبه مرسلا على سجية الذوق، وهو مقيد بقاعدة متماثلة التقسيم متكافئة الجوانب.
يقوم على ميزان التطابيق بين اسافل الكتابة وأعاليها.
أحيانا تنبني على عدم استواء فتزداد بذلك الميل حلاوة وبعد نظر «وما أقرته الأقلام يكبر أن تطمسه الأيام» من رقعة مهملة تنسب الى المؤرخ أبو العرب التميمي.
سيكسب هذا الخط لاقحا مدات وجزما محددا بنسبة من الغلطة ومقدار من اللين مع التساوي عند استقامة الألف المذيل واستلقاء التاء وتقويس القاف، صيغت معشقة على هيئة الهلال المحلى بالتعريق، متاعا نفيسا وبهجة للناظرين.
علما وان بديهة ارسال الخط قد تقود الى التأويل ولا ندري أي ـ تسوير ـ أعدت، وأي ـ تيسير ـ أبدت من غير دلالة على تكلف يتلف في غمرة الإدغام، أوائل المعنى وأواخره.
فالأنفع آنذاك ان تعطي الحروف نصيبها من البيان بسطة، ورب كلمة جلبت نعمة من حسن آثارهم وهي دليل العقل مع الأدب، كشجر الآراك تراه مثمرا وإن كان أجرد من التوريق(من فروعه يقتطع عود السواك او المسواك».
وهل يلذ المشهد ما لم نغرس من جديد دوحة الخطاطين الأوائل منهم مهندس الالفاظ مع الاركان وتخطيطات السطوح «رويفع» سنة سبع واربعين هجرية و«الصنعاني» ساكن باب الريح، و«العود الرطب» غارس الزيتونة في حي الانصار، و«نزار الزاهد» العارف بصنع الحبر من فصوص صمغ اليمن وكحل جبال مكة مع احماض العنب. والمتصفح في الخط أفطن وأبصر لمواضع الجمال فيه، من منشئه بما هو مجرب.
رغبة في إحياء العلم كان بعض نساخ الكوفة إذا علم بمجيء ابن فروخ يهتف غبطة : هو كتاب محمول الينا فلا نحرم حظنا من تمايزه المغربي، وفي الحين تفتح له الابواب ويسكن أطيب منزل يذهب هذا الفقيه العفيف في الاعتقاد بان الالف نصف حرف والهمزة النصف الاخر. وقد افضى به السير على مذهب مالك الى عدم اعتبار الالف من الحروف، ناهيك وان اللام المركبة فيه تعد حرفا في التقويم الابجدي العتيق اي بعد تمام الوحي. وهو اجتهاد ذهني منتهاه تفريد الواحد القهار لأن الكلام صفته وكماله.
كذلك أسد بن الفرات علاوة على فتحه صقلية وهو يوصي ربان المراكب بأن لا يأخذ البحر طولا فيوشك على الغرق، كان طلبة القيروان يأخذون بحواشي قميصه وأكمامه ويقعدوه للانتفاع به، حين رحل الى مصر رغب الناس في كتبه ونقلوا مدونته التي يجوب بها الاقطار على سبيل النشر بقراءات افريقية، ان شئت فاقبل، وان شئت فاترك.
هنا استحضر الفقير احمد القصري خط بيده ما لم يكتبه احد، هو الذي كان يرهن لحافه ويبيع قميصه ان لم يجد دينارا اغلبيا يشتري به الورق.
حينذاك وفي بلاط المعز بن باديس نشأت صاحبة الشأن «درة الكاتبة» وذات صباح من 1018 ميلادية خرجت تتفقد مصنع الكاغذ بحي الجامع نهج ابي عمران الفاسي وراحت تومي الى حاشيتها بالقول : هو وجه مطلوب وصناعة مرغوب فيها «الورق ثمن كل شيء وان غلا، ومراتب الى اليقين مهما علا». ولللقراطيس تسميات شتى منها السجل والبائق ـ وريقات مرهفة قدر اصبعين، ينقل بريدها الحمام الزاجل صوب المبعوث اليه، والطومار ـ لفيفة محزمة بخيط من حرير وتزايين فيها تأثير من اهل الصين مخترعو الكاغذ.
ولا عجب ان عرفت الاسواق صحائف الديباج والقطن الملكي وطبقات اخرى من محلول الرز المجلوب، ومن حشيشة القنب المنقوع او المغموس في ماء الكلس الجيري للحبك والطلاقة، تباع رزما وارطالا.
وما القلم لولا قوة الانبوب ورونق الاسلوب مشقا للميم، وتقويما للالف «الساري في الحروف سريان الواحد في الاعداد».
سمي القلم قلما لانه مقتطف من شجرة خاوية فيحاء اسمها القلام، تنمو في فلاة من الحبشة وتمبكتو وشنقيط. اذا ارسلته يستوفي العبارة ويؤدي الجملة وقد اصاب رقشا في شواكل النص وتنقيطا من احمر رماني دل على دماء الشهداء، الى اخضر زمردي يبشر بلباس من سندس، اللون الاول لتبيين الضم والفتح والكسر، واللون الثاني وثاق يعقل شوارد الحركات، على اعتبار ان الشكل حلية متناسبة التناسق.
ولهذه الرقوق المغربية بامتياز، قلم له وجه وصدر وعرض، يسمى الرياسي ـ وفق ما اورده الشاعر ابن رشيق.
يمكن للمتأمل أن يستخرج تشبيهات أخرى من كتابة مغايرة صور الخطاط علي بن أحمد الوراق تصرف حروفها على هذا النحو : الألف مذيل القوام يتنزل رداء ملك جبار ـ العين ملوزة ومشربة حبرا الا من قطرة نور لأنها بذلك الفراغ أبين وأبعد، الهاء كمثرى داكنة التحويق وذوات الرؤوس مثل الميم والواو فهي المثلثات لما فيها من قوة الهندسة، وربما رسمت الحاء حد رمح او شكل سنان وسيف اذ بالقلم تساس الاقاليم لانه نظام سلطان وخزانة اموال هكذا يروي السلف عن آخر ناثر كاتب وشح مملكة بني زيري هو عبد العزيز القرشي الطارقي، اصبح معه الخط يعقد الابصار على المحبطة ويجتني من العبارة اوتار نغماتها، والا فهو يابس سقيم.
من سيرة القضاة في وقت مضطرب ان جمعوا كتب البدع والالحاد حسب زعمهم، وامروا بحرقها قبالة سقيفة العراقي وهي بمثابة منتدى محاورات الطوائف فيما تتصاعد عواميد الدخان الاسود الى الافق وهي المصنفات التي خطها ـ الفراء ـ شيخ المعتزلة واتباعه من الاباضية والشكوكية في مجتمع عصبي قلبه نافر وكلمته متفرقة، ومن لا يدخل تحت الطوع يتهم بمخالفة المذهب، وفي المسألة تنازع ومجادلات.
للأسف كانوا جميعا أذكياء، اذا اشروا اسرع الذهن الى فهمهم، ولكنهم نسوا ان بسبب الاختلاف ظهر الخط بافريقية.
فئة قليلة مشهود لها بالحذق والعراقة من اقباط النصارى تحصنوا في دير لهم بالمدينة يسمى القسطاس، ولأخلاقهم كان اتخذهم امراء بني الاغلب لاعمال التجليد في جناح بديوان الانشاء.
حتى اذا نضدوا المائدة وضعوا المخطوط بين لوحين لضبط الحجم وهو ايطالي المقاس.
يقتضي التسفير ان تطرح الاغلفة والاغشية ومن ثمة يقع زخرف ظاهر الجلد الممهد بواسطة اداة حامية تلتصق بأديمه مع اجهاد الساعد لغاية ترسيخ النماذج والتثبت من جودة انطباعها مثمنات ودوائر لها تدويم في التوهم البصري على حدود المربع.
ولهؤلاء الرهبان لوح بالقلم بالسرياني هذا فحواه «الصنائع ودائع ولا نجاح معا لتهور» امام واجهة الزجاج بقاعة متحف الفن الاسلامي رقادة، عاينت رقا ازرق على خده الايمن اربعة عشر سطرا منقشة بالذهب، وان هي الا اشارات تحصنت في بيتها المعمور قرب ابكار المعاني اجدها تسطع من سراج التوحيد بيانا جليا تسكين له الاعين هيبة ويتواشج في تربيعة اركانه الساكن بالمتحرك.
والأرجح أنها من خطوط الحارث بن مروان وولده يحيى العالم بكيمياء التذهيب وعقاقير التجليد، جعل من عريكة الدباغ ليلا أدهم الزرقة أفاض مهابهت على الرق وأضفى قدسية يضادد بها الكلمات اللامعة مفاتيح وعلامات يحار الذهن في تشكلاتها.
بمقتضى الأمر المؤرخ في 1967/9/7 تم نقل رصيد مكتبة القيروان الى دار الكتب الوطنية بتونس على الساعة الثانية ليلا، وبطريقة التحويل أخذت النفائس في التناثر ولم يفلت كنش واحد واختفى مصحف حديج بن معاوية بن مسلمة الأنصاري، كتبه للأمير الممستجاب له عقبة بن نافع سنة تسع وأربعين هجرية بتنقيط وشكل أرجواني أحاط التذهيب نطاق ورقاته وهو أقرب الى النسخي ويوجد اليوم بتوبب كابي سراي ويعد من أمهات المصاحف في العهد الأموي.
وراحت الأمم تتناهب المخطوط وتشتريه من الأسواق والبيوت مقامة وشعرا وحديثا نجده في المكتبة الوطنية بباريس وخزانة قصر فرساي وجامعة القرويين بالمغرب وشيستربتي بدبلن ومتحف دايفيد بالدانمارك ومكتبة الأسكريال بمدريد وبالفاتيكان...
ولا أريد أن أمضي أكثر في اقتفاء آثار ضائعة اذ من العبث تعداد مواهب لروائع منهوبة. مما يؤثر من أخبار الخط أن ابن خلدون يأتي المدينة زائرا وأكثر أمله مشاهدة الصحائف المتنوعة والوقوف على جودتها وملامسة رقوقها المذهبة، يرفل في برنس على كتفيه وبيده الدفتر بين الخزائن.
ولكن هيهات لا تذهب الأيام والليالي حتى تمحي كتابة وتثبت أخرى.
وفي هذا السياق سأنتفي الكلام وأروي ما رأيت من نتاج المدرسة الحروفية الحديثة، والقيرواني خالد ميلاد واحد من الكتيبة العربية والكوكبة المزهرة، اذ لم يعد أي معنى لمدلول الكتابة غير تحولات المواد وتظافر نسيج الخامة حين تقيم وترحل في بدء مشرق لذيذ يحرر الخط من نومته فيهتف الصوت ليت لي أن أصدح شدوا وترنيما يروح ويأتي معه الريحان طافحا فوق ماء على وجنات الصحائف والرقاع الملأى بأشهى موسيقى تنسكب أصباغها من شرفات لغة مقمرة يزينها السمو الى دهر الداهرين، لما فيها من اقبال العطف ورحابة الاحتضان.
واذا أردنا أن نقرع باب الكتابة العقلية ونتسلق حيطان البرهان المنطقي ندرك أن الحروف تسكنها واردات أحوال تنقلب وتتحول ثم ترتد الى صياغات هندسية، أولها الاسطواني في حركته الكوكبية وثانيها الكروي دليل الكمال المعتدل مع التقاء الأطراف وثالثها المكعب لما في أركانه من وحشة الانفراد وأنس التلاقي، وهو أنسب شكل تجد فيه النفس مستقرها.
وما اليد الا آية في آلة يتوالى جري فقراتها على منوال الطي والنشر.
حقا أصحاب الخط هم الأكثرون وان قلوا، وأوجه الربح أينم حلواا

Admin
Admin

ذكر عدد الرسائل : 824
السٌّمعَة : 22
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 26/07/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

تجليات الخط القيرواني :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى