لماذا يكتب الرسامون؟ ولماذا لا يكتبون؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

15082008

مُساهمة 

لماذا يكتب الرسامون؟ ولماذا لا يكتبون؟




استوكهولم:
فاروق يوسف

رسامونا لا يكتبون،
وإن كتبوا ونشروا، فغالباً ما تأتي مواضيعهم وكأنها من خارجهم، أو من مكان لا يعنيهم كثيرا. نادراً ما يكتب الرسامون العرب على طريقة سلفادور دالي او فان غوغ، فتصير كلماتهم امتداداً للوحة واستكمالاً لها. ولكل الرسامين الذين يودون ان يكشفوا دواخلهم بحساسية حركة الريشة على السطح الأملس، يهدي الرسام السويسري وعاشق الموسيقى بول كلي، بعد أكثر من 67 سنة على وفاته كتابه الجميل والرشيق الذي دوّن فيه يوميات هي ككل اليوميات.. لذلك استحقت البقاء.

لماذا يكتب الرسامون؟ ولماذا لا يكتبون؟ سؤالان لا يذهبان الى حق الكتابة أو عدمه، بل يستفهمان عن جدوى الكتابة من جهة نفعية خالصة. ولكن هل تحتاج الكتابة الى تبرير أو تفسير؟ الكتابة مثلها مثل أي فعل انساني للتعبير. هي حق لا يمكن احتكاره من قبل فئة من البشر دون سواها. شيء من البداهة الاصيلة يدفع بالانسان الى تخوم الكتابة، لا ليكتب بحكم المهنة كما يفعل المؤلفون، بل ليقول شيئا قد يكون نافعا: اشراقة، حكمة، خلاصة تجربة، انطباعا، أو صرخة مثقلة بالشقاء. ما من رسام في العالم (باستثناء العرب إلا في ما ندر) إلا وترك ما يشير اليه كتابة.
كتابات الرسامين ليست ملحقة بتجربتهم الفنية غير أنها غالبا ما تكون محملة بهواء تلك التجربة. بل ان هناك عددا من الرسامين أصدر كتبا منقطعة تماما عن رسومه: لمايكل انجيلو كتاب شعري كبير، سلفادور دالي كتب أشعارا ومسرحيات وكتابا في الطبخ، ديفيد هوكني واندي وارهول أصدرا كتبا عديدة، فنانو حركة (فلوكسس) في ستينات القرن الماضي كانت لديهم اهتمامات كتابية، بحيث يحار المرء في تصنيفهم: هل هم أدباء أم فنانون؟ يوميات الرسام السويسري بول كلي التي صدرت أخيرا وبعد سنين طويلة من وفاته (توفي عام 1940) تستدرج قارئها الى مكان لا يخضع للوصف دائما: الحياة اليومية في صفتها ركاما من الوقائع اليومية التي تصنع خبرة من يعيشها بطريقة غير مباشرة. لقد كتب هذا الرسام المولع بالموسيقى نظريته في الرسم مثلما فعل زميله الروسي فاسيلي كاندنسكي. بل ان كتاب كلي الذي يفكك الطبيعة التقنية للعناصر (نظرية التشكيل) صار يدرس منذ زمن طويل في المعاهد الفنية. ولقد اشتهر كلي بجمله المتأنقة التي تصف تحولاته الفنية وتستقرأ اسبابها، غير أن يومياته هي شيء آخر تماما. الأمر الذي يعيد الى ذاكرتنا رسائل الرسام فنسنت فان غوخ الى أخيه تيو. تلك الرسائل التي تحولت الى قطع أدبية أضفت حساسيتها على فنسنت هالة مضافة حين كشفت عن بعض من اسرار ذلك العذاب النادر من نوعه الذي عاشه الرسام الهولندي وحيدا.

هناك كذبة صارت جزءاً من نسيج الثقافة العربية المعاصرة مفادها أن ليس من الضروري أن يتكلم الرسام عن عمله أو عن تجربته الفنية. «دعوا العمل الفني يتكلم»، شعار زائف دثر به الفنانون كسلهم الثقافي وخفة شعورهم الوجودي بأهمية ما تنطوي عليه أعمالهم من قوة ملغزة. الاوساط الثقافية العربية تنظر الى الفنان من جهة كونه محترف تقنيات، ولا تضعه في المكان الذي يضع ثقافته في الميزان. وهي في هذا انما تعفيه من مسؤولية مواجهة الحياة من جهة كونه واحدا من حاملي اسباب التغيير اليها، بل والساعين الى احداث ذلك التغيير. يوميات بول كلي، على سبيل المثال، لا تعنى بالفن إلا قليلا غير أنها تقدم كلي رجل مشروع حياتي وثقافي آخاذ. وما فعله كلي بعد ذلك في الفن (تأثيره في حداثة الفن
في القرن العشرين يفوق تأثير بيكاسو) انما يعود الى تلك الأفكار الثورية الصارمة والدقيقة التي سجلها في يومياته مطلع حياته. كانت رسائل الرسام والنحات العراقي جواد سليم (1920 ـ 1961) التي نشر جبرا ابراهيم جبرا عددا منها في أحد كتبه تشي بنوع المثقف الكبير الذي كان سليم يسعى الى أن يكونه. غير أن النظرة الثقافية القاصرة وقفت سدا بين تلك الرسائل وبين أن تتحول الى تقليد ثقافي بين الرسامين. ما من رسام عربي ترك لنا يومياته لنتعرف من خلالها على الانسان والمثقف الذي انتج تلك الأعمال الفنية. كتب الرسام السوري فاتح المدرس أشعاراً وقصصا غير أن تلك الأعمال الأدبية كانت تعبر عن موهبة مضافة ولا تمت بصلة الى الرسام الكبير الذي نعرفه. هناك غير رسام عربي مارس كتابة
النقد (شاكر حسن ال سعيد، اسعد عرابي، عبد الرحمن سليمان، الحبيب بيده، طلال معلا، عادل السيوي) غير أن القارئ لا يمكن أن يعثر عليهم فيما يكتبون. ذلك لأنهم كانوا يعلقون على حدث خارجي ليس له بحيواتهم صلة. صحيح اننا قد نقرأ في تلك الكتابات شيئا من افكار كاتبها غير أن ذلك الشيء يظل رهين السبب الذي حضر من أجله. لا شيء يمت بصلة الى الذات التي هي محور اليوميات التي تقدم لقارئها كشفا حقيقيا عن المعنى الذي يبحث عنه كاتبها.

كانت رسومه الحالمة أشبه باليوميات. على أوراق صغيرة الحجم رأيت مئات من رسومه المائية في متحف بزيورخ. بول كلي الذي تشبه بالصينيين من جهة تقشفهم بالمواد شق طرقا غير متوقعة لحداثة لا يمكن الاستغناء عن عاطفتها العاصفة. في امكان تلك الرسوم أن تخترق الشخص الذي يراها ذاهبة الى أعماقه. لم يكن كلي محترفا بالرغم من صرامته النظرية، كل رسمة من رسومه كانت حدثا يقص حكايته وينتهي. كان كلي رسام حكايات غير أن تلك الحكايات لا تحضر إلا مدثرة بألغازها. وما نقرأه في يومياته عن طفولته وشبابه انما يضعنا في قلب تلك الحكايات المثيرة. لقد تعلم كلي منذ شبابه وهو زمن كتابة تلك اليوميات تقنية فن الاعتراف المباشر، على الاقل في مواجهة الذات (حيث ترتجل اليوميات حريتها)
وهو تقليد أوروبي لم يتعرف عليه المبدعون العرب بعد. لذلك ظل الرسم في الوطن العربي أشبه بالتعليق على واقعة خارجية، من غير أن يكون تعبيرا عن الذات.
لقد خسرنا قرنا في محاولة تقليد الرسم الغربي من غير أن نكتشف السر: لو قرأ الرسامون العرب يوميات
بول كلي لعثروا على الحجر الذي في امكانه أن يضيء
.
www.altshkeely.com

Admin
Admin

ذكر عدد الرسائل : 824
السٌّمعَة : 22
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 26/07/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى