سيزان.. أول من انصرف الى مسألة جوهر الأشياء لا الى الانطباعات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

15082008

مُساهمة 

سيزان.. أول من انصرف الى مسألة جوهر الأشياء لا الى الانطباعات




أعاد سيزان (1839 – 1906) النظر فى تصوير المكان ، وفى أثناء ثورة التأثيريين كان هو أول من انصرف إلى مسألة جوهر الأشياء لا إلى الإنطباعات العارضة فقط، وقدم أبحاثا تشكيلية جديدة تهتم بالكشف عن العلاقات الثابتة بين الظواهر العارضة، والبحث عن الهندسة الداخلية للأشياء، وعمل على إعادة تصوير الطبيعة والأشياء وفق طابعهم لا وفق رؤية عارضة دائمة التغير، وقد جمع سيزان فى فنه بين الواقع والتجريد، وبين الحس والفكر؛ وبذلك يكون قد حسم الجدل الدائر على مستوى فلاسفة وعلماء الجمال وبين المدارس الفنية أيضا؛ ذلك الجدل يجعل من المصور إما أن يكون حسيا، المعرفة عنده نتاج الإنطباعات الحسية، وإما أن يكون عقليا تسود لوحاته الفكرة أو التصميم أو المعرفة التصويرية. لذلك اتخذ "ميرلوبونتى" من أعمال سيزان مثالا فى نظريته فى الإدراك الحسى التى تناول فيها هذه الثنائية قائلا بأن التصورات والمعانى ليست أمورا يختص بها الذهن أو الوعى وحده وكأن الإدراك الحسى ليس سوى انطباعات حسية يتلقاها جسم (فيزيقى) بل إن الجسم هو بدن حى يدرك ويعيش فى عالم، وليس مجرد جهاز إستقبال لانطباعات حسية تخلو من أية دلالة أو معنى، إنما هو جهاز متحرك يكشف ويرى المعنى والدلالة فى المحسوس. لقد استطاع "سيزان" أن يحقق ذلك فى تعبيره التصويرى. فالجدل الذى كان "ميرلوبونتى" يحاول تجاوزه؛ هو نفس الجدل الذى يحاول سيزان تجاوزه عندما كان يتلمس اسلوبه فى التعبير فهو لا يرى معنى للمفاضلة بين الحس والفكر ويرى أن الفن هو دراسة دقيقة للمظاهر. لذلك يقول "ميرلوبونتى" فى مقالته "شك سيزان" : لأن سيزان ظل مخلصا للظواهر فى بحثه للمنظورات ؛ فإنه قد استطاع أن يكتشف تلك القاعدة التى توصل إليها علماء النفس المحدثون، وهى: أن المنظور المعاش Lived perspective الذى ندركه حسيا بالفعل ليس منظورا هندسيا وليس منظورا فوتوغرافيا" فعين الفنان ليست عدسة تؤدى نفس المهمة التى تؤديها الكاميرا، فالعين ترى الأشياء وتربطها فى علاقات من خلال حركتها، فمن خلال حركة العين يتشكل المنظور أو الرؤية. وحركة العين ليست مجرد انعكاسات أو مستقبل للأشعة الضوئية والخطوط والألوان، بل هى على حد تعبير ميرلوبونتى "آلات حاسبة للعالم". وعين الفنان تتميز بأنها عين تدرب نفسها دائما على اكتساب أسلوب خاص فى الرؤية، فالفنان من خلال احتكاكه الدائم بالعالم المرئى وتصويره له فى لوحاته، يحاول أن يكون منظورا خاصا به فى رؤية العالم .

لقد تحقق هذا فى فن سيزان حيث كون رؤية خاصة جديدة للعالم يجمع فيها بين الحس والفكر فأدمج فى أعماله بين مظهر الطبيعة التصويرى ذى الأبعاد الثلاثة مع القيم الجمالية للتصميم ذى البعدين، فقد وجد أن الحيل التى يتبعها الفنان لإعطاء تأثير العمق ولإنتاج صورة ذات أبعاد ثلاثة يبرز فيها استدارة وصلابة الأشياء التى تجئ إلى الأمام وترجع إلى الوراء، وتصوير الفضاء المحيط بتلك الأشياء مع المحافظة على مسافاتها، وتكتلاتها تقلل من قيمة التصميم وتتسبب فى هزه وتفكيك وحدته وإتزانه، وقد احسن "سيزان" بهذه المشكلة وسعى لايجاد حلول جديدة للفراغ تتيح له الإحتفاظ بالأبعاد الثلاثة دون أن يسئ لجمال التصميم . فقدم الأبعاد المكانية كقيمة تصميمية أكثر منها بصرية.

سعى سيزان لأن يحقق العمق،والوجود،والإنطلاق،فى الفراغ والمسافة، وانفصال المساحات القريبة والبعيدة والشعور بالحجم، من خلال اللون وحده وكثافته النغمية، فقد كان يرى "أن التصوير هو تسجيل للإحساسات اللونية" وهو ليس مطابقة لشئ فى الواقع، بل هو توافق بين علامات عدة، ويصيغ سيزان هذا التوافق من خلال مسطحات اللون عن طريق وضعه فى إمتداداته النسبية التى تخلق الإيهام بالشكل ذى الأبعاد الثلاثة. وكانت وسيلته هذه فى إستخدام اللون تتيح له تحقيق "العمق" مع الإحتفاظ بقيمة "السطح" .

كان سيزان يرى أن التصميم الجيد يجب أن تكون له وحدة مستمدة من كل نواحى الصورة، وأن يصير كالنسيج الواحد بدون ثقوب أو جوانب غير كاملة، وحتى لو كان مؤلفا من بضع أجزاء تختلف فى أهميتها فهى يجب أن تظل متصلة منسجمة فى هذا النسيج الواحد، وكان يرى أن الأشياء المجسمة تظهر وكأنها تخرج من السطح فتعوق بذلك إنسجام التصميم الكلى للصورة، كذلك فإن المناطق شديدة العمق المظلمة والخطوط التى تتجمع فى نقطة واحدة تعطى تأثير بوجود فتحات فى التصميم لذلك عندما كان يقوم بتشكيل صورة لإنسان أو منضدة أو زهرية كان يعاملهم على أنهم حجوم تشغل فراغا فى العمق دون بروز من صنع التظليل، فكان يعمل على إيجاد شبكة من الخطوط المتقاطعة رأسيا وأفقيا لإعطاء التأثيرات ذات الأهمية فى الشكل العام وقد طورت التكعيبية هذا الأسلوب فيما بعد على أسس علمية .

كذلك تجنب سيزان استخدام المنظور الخطى ذو النقطة الزائلة لأنه يصنع قمعا فى الصورة فخطوطه القوية تشد العين إلى داخل الصورة، وتقودها إلى فتحة محدودة فى التصميم مما يشكل صعوبة فى توجيه العين خلال الصورة لأن المنظور يشدها بقوة نحو اتجاه واحد. ولنفس الأسباب لم يكن "سيزان" يرسم الطرق منتهية فى العمق حتى لا تبدو مثل المثلثات، بل جعلها تنتهى فى الغالب وراء المبانى أو يقفلها بحاجز من الحواجز، وبرسم ظلال أفقية عبر الطريق . "مستخدما طريقة المستويات المتداخلة التى استخدمها فنانو الصين ليعبر بها عن المسافات ). وبذلك لا يجذب العين خلال موقع محدود فى الفراغ بل تجاه مجموعة من الخطوط والألوان التى توجه العين .

كما تجنب سيزان تأثير المنظور الجوى؛ فالأشياء البعيدة لا يجعلها تختفى بل يرسمها بقوة، وفى بعض الأحيان مكبرة، أو مرفوعة فى الصورة، ومثال لذلك منظر جبل القديسة (فكتوار) الذى رسمه "سيزان" مرارا، فقد كان يرسم الجبل البعيد محدد بقوة فى كل حالة ويبدو كأنه أكبر من الحجم العادى، ويرسم السماء ورائه شديدة الصلابة، فلا تبدو خلفيته باهتة وراء الأشياء، ولكنها تظهر بقوة مثل الأشكال المتقدمة فى اللوحة. ولم تكن الحلول التى قدمها سيزان تنفى البعد الثالث فالمبانى والصخر والأشياء تظل محسوسة كتكتلات صلبة، وهى ما تزال مشمولة بالفراغ .

وقد رأى سيزان أن الطبيعة هى عمق أكثر مما هى مساحة. وقد حل هذا العمق من خلال وجهة نظره الخاصة؛ فقد انتهى فى دراسته للمسطحات والحجوم إلى أن الطبيعة يجب معالجتها بالأسطوانة والمخروط والكرة، وأن كل جهة من الجسم المصور تتجه نحو نقطة مركزية. وقد جمع فى عمله بين زوايا متعددة للرؤية تشمل جميع جهات الجسم المصور، كما أشار إلى البعد الثالث عمليا بواسطة الإرتفاع بخط الأفق من مكانه الطبيعى – كما ظهر فى عمله المسمى (البحر بناحية لوستاك) – دون أن يعطى إهتماما لقواعد المنظور الفوتوغراقي). كذلك اتجه أحيانا لاستخدام عدة مستويات متغيرة ومختلفة للنظر فى العمل الفنى الواحد ، حيث تبدو أحياناً الناحية اليسرى من اللوحة كما لو كان ينظر إليها من أعلى والناحية اليمنى لها كما لو كانت فى مستوى تالى أقل فى الإرتفاع .

استخدم سيزان فى أعماله أيضاً "المنظور المعكوس" مستعيدا بذلك أعمال الفسيفساء البيزنطية كما نرى لوحته "لاعبو الورق" فقد عرض فيها عناصره التشكيلية فى مجال فراغى محدود جدا. وجعل الأشخاص ملاصقين للسطح الأمامى للوحة بحيث تكون أقرب للمشاهد بدلا من رجوعها ثانية إلى مساحة الصورة كما كان متبعا فى النظام التقليدى للنهضة. وتبقى المنضدة فى المنظر نقطة ارتكاز حيث جمع الرجلين حولها ووجها نظريهما إليها، فاقتربوا بذلك إلى الأمام تجاه المشاهد. وتلمس المنضدة إطار الصورة، ثم تتجه إلى المشاهد بدلا من تباعدهما .

ويتناول سيزان المنظور البصرى بشكل مغاير ، فقد كان فى أعماله يُبرز سطح الأرض بحدة ويقرب خلفية الصورة من العين وينظم المنظر فيقسمه إلى مساحات أمامية وخلفية متميزة ومتناقضة ويحور شكل أسطح المنازل حتى تصبح غير ملائمة لأى منظور على الإطلاق . أو قد يخلق ثلاثة تصميمات مختلفة للمنظور فى عمل واحد فيبسط أفرع الأشجار ويحولها إلى نظام من الزوايا أو الخطوط المنحنية أو المستطيلات المتشابهةالمتكررة، ويبسط أسقف البيوت فيحولها إلى نموذج متكرر للأشكال القائمة الزوايا أو التكعيبية. وهو فى لوحاته الخاصة بالطبيعة الصامتة ينظم المنضدة التي يصورها ويجعلها سطحا مستويا تماما مع العين، ثم يحور فى المنضدة أو فى الأطباق التى توضع فيها الفاكهة ليزيل عن الأشياء علاقتها الطبيعية بالعين. وفى رسمه للأشخاص كان يطيل الأذرع أو الأرجل ويتناول الرأس فى بعض الحالات كما لو كان مسطحا فى إطار نظام من الأسطح المستوية المسطحة .

وبهذه الطرق السابقة يكون سيزان قد حقق رؤية منظورية جديدة ومختلفة فى تصويره للمكان حيث حل مشكلة هامة تتمثل فى إدماج مظهر الطبيعة التصويرى ذى الأبعاد الثلاثة مع القيم الجمالية للتصميم ذى البعدين. ، واستطاع أن يكون منظورا خاصا به فى رؤية العالم.

Admin
Admin

ذكر عدد الرسائل : 824
السٌّمعَة : 22
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 26/07/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى