كلمة جواد سليم في افتتاح المعرض الأول لجماعة بغداد للفن الحديث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

05112008

مُساهمة 

كلمة جواد سليم في افتتاح المعرض الأول لجماعة بغداد للفن الحديث




حضرات السيدات والسادة أنا لست
بالكاتب. الرجل الذي يكتب أداته القلم, أما أداتي فهي الألوان والخطوط والفورم.
غير أن كلينا بشر ينظر: الكاتب ينظر ويتحسس، إن كان كاتباً حقاً، وتتهيج في عقله
الباطني رموز عجيبة هي الكلمات ثم يخط هذه الرموز العجيبة على ورقة و يقول (اقرأ).
فأن كنت تقرأ فأنك تتابع ما يقول كلمة كلمة وتتحسس ما يريد أن يقول، ثم تنظر بعين
جديدة لما قد فاتك. وإن كنت غير محظوظ، أو واحداً من ال 97 % من العراقيين، فانك
في عالم آخر غير عالم الكتاب


أما أنا،
كنحات أو مصور، فلا فرق بيني وبين الكاتب، إنني انظر أنا الأخر، و لكن ما أراه لا
يثير في تلك الرموز العجيبة التي يجيدها الكاتب، بل هناك رموز أخرى تنبعث في رأسي
هي الخطوط والألوان والفورم: هي لغتي التي أجيدها وأضعها في لوحة أو تمثال ثم أقول:(
انظر) أو (اقرأ) رموزي، فان كنت لا تريد أن تتريث قليلا و تنظر، أو كنت واحداً من
تلك النسبة المؤية، فأنت في عالم بعيد عن عالمي


أنا و الكاتب نريد أن نشارك كل البشرية ما نريد
أن نقوله. و كل إنسان يريد أن يتحسس مزايا عقلية الإنسان، وكفرد في المجتمع الإنساني
فان هذه المزية، مزية العقل والفكر، لا تتحقق إلا في المبادلة والتجارب. أنا أقول
لرفيقي ما أفكر فيه، وقد لا اكتفي بذلك فأخاطب البشرية كلها.


والآن قبل أن أنسى أحب أن أذكركم بجملة تتردد
على السنة كثيرة: "يابه دجوز(تجاوز) أحنا نريد ناكل خبز". إنني أقف هنا
مستعيراً أداة لا أجيد استعمالها. إن ما أجيده يقبع هنا في قاعة المعرض وليعذرني
صديقي الكاتب, فكلانا يكافح متناسياً الخبز


لا أريد اليوم أن أدافع عن جماعتي، إننا نستمر،
وقد فتحنا ما في صدورنا بإخلاص إلا أنني أود أن أشير إلى بعض النقاط البسيطة: ماهية
شخصية باخ أو المعري بالنسبة إلى نابليون وشيخ من شيوخ العشائر.. أو ما هي الأشياء
التي تجعلنا نفخر بأننا بشر


هذه في الحقيقة نقاط متشعبة و عويصة متعلقة
بالتاريخ الاقتصادي و السياسي للإنسان. واني لا أود أن ادخل في كل هذا. ولكن خذوا
الفنان: من هو الفنان؟ و ما هو؟ و تذكروا عدداً من الفنانين: بيتهوفن، غويا،
شكسبير، ورافاييل، وفائق حسن ـ هل عاش هؤلاء للمادة؟ لاشك.. ولكن ما الفرق بينهم وبين روتشايلد أو هتلر أو أل كابوني أو
متروكولدين ماير وبيتي كريبل، أو بائع الجقجقدر(حلويات)؟ كل هؤلاء بشر. إلا أن باخ
رفع الإنسانية، عرفها بالنبل، بالحب، بالخير، بالجمال أفاد الإنسانية.. أليس كذلك؟
ميكائيل أنجلو أظهر للإنسان عبقرية الإنسان للإنسان, أفادها كادسيون, أو مخترع
البنسلين. اليس كذلك؟ نعم


ليس الفن في عمل صورة للويس الرابع عشر أو تمجيد سيف الدولة أو رسم تفاحة
أو ترنيم. الفن أسمى من ذلك. الفن قطعة لموتسارت, صفحة من موليير, قصيدة من
المعري, لوحة غورنيكا. فهذه أشياء خدمت البشرية.
الفن ليس مسامرات الجيب او مجلة الاثنين -الفن الجيد خدمة نبيلة- الفنان الجيد
يخدم الإنسان، الفن الجميل يخدم الإنسان: ذراع امرأة أو رجل جميل.. فكل عضلة فيه
مفيدة, هذا ما يقرب من قول افلاطون, اما بيكاسو فيقول: (ان هدف الفنان هو انقاذ البشرية
من التردي في هاوية الشر)


والان اين نحن من هذا الشخص الفنان؟ هنا في
بغداد مثلا: أهو في شارع الرشيد؟ أم في الحدائق العامة؟ ام في البيوت؟ خذو البيوت:
فأول ما يلفت نظرك إذ تدخلها، الأثاث الغالي المتراص. الذوق ليس مهما، وصلة الطراز
التكعيبي المشوة بالنسبة للسجادة الفارسية النفيسة، هذا أيضا غير مهم. الأثاث مريح
جدا وآخر موديل من بيروت. (كلش حلو). ثم تدور بنظرك فترى الكتب مستعاضا عنها
بمجلة الاثنين و مسامرات الجيب، وبعضا ترى رفا من الاسطوانات، تقترب فتجد: تانكو أرجنتين
وآخر اسطوانة لديانا شور، وان كان الذوق أكثر محلية فاسطوانات فريد الأطرش وترفع
راسك للجدران. ماذا ترى؟ إن لم تكن الجدران عارية فهي محلاة بصورة كبيرة للجد،
وصورة اكبر لرب العائلة في شبابه، صور الأولاد في إطارات جميلة، صور الأحفاد. صور
كثيرة، هذا يكفي. لكن لماذا في قاعة الضيوف؟ الله اعلم بكل شي. أما إذا ارتفع
الذوق، وأحس صاحب البيت بالحاجة للفن فالجدران تمتلئ بقويم لشركة الكدلاك تحليه
صورة فتاة لا ندري إن كانت لها صلة بالأرض غير أنها تثير فيك أنواع الغرائز
الحيوانية. أو صورة بإطار جميل لمنظر من مناظر سويسرا. وقد تعاتب الصديق لانعدام
الصور( يابة فد صورة فد شي؟) فيقول (هسة انتو فنانين آني اشجابني عل فن؟ )- أما الأشياء
الأكثر روحية عندنا فيتمثله الكثير منا في المشروبات الروحية، اما الشعب-
الاكثرية- فصلتها تقتصر على دار الإذاعة ونفائس الموسيقى المصرية والعراقية
المتمصرة. الأفلام المصرية وأفلام المريخ، أفلام هوليود


هذا هو التذوق العام. وهنا في هذا المعرض إننا
نحاول أن نناسب وما تنتجه البشرية ولو إلى حد ضئيل باللغة العالمية
(التصوير) كعراقيين، مستلهمين ما يثيرنا في طبيعتنا ومحيطنا المحضر.


لقد نعتنا شاعر طيب القلب بأننا أعداء الشعب. و
بأننا يجب أن نحارب من كل عراقي مخلص لوطنه. نحن أعداء الشعب في حين أن غذاء الشعب
مسامرات الجيب و مجلة الاثنين والأفلام المصرية والملاهي النتنة، فهذا هو غذاء
الشعب


هذا الصديق شاعر طيب القلب لا يعرف هذه الأشياء


والزمرة
التي تتذوق الفن والتصوير من جمهورنا تفرض إرادتها عليك بصورة عجيبة: (هذا كلش مو
زين، لازم تسوون فد شي تفهمه الناس) هؤلاء يريدوننا أن نرسم تفاحة ونكتب تحتها
(تفاحة)
(إي هاي تفاحة تماماً تفاحة)، ومنظر الغروب على دجله وتحتها (الغروب)
أو صورة نخيل وتحتها (نخيل) أو فتاة جميلة، ويجب أن تكون جميلة لأن الفن جميل و
نكتب تحتها بخط جميل (الانتظار).


الفن لغة و هذه اللغة يجب أن نتعرف عليها و لو
قليلاً:
ماذا
يحاول المصور في كلماته هذه مثلا, و كلماته هي الألوان والخطوط و الحجوم؟


و هذه اللغة، إنها تستعمل نفس الكلام ولكن في
قالب جديد يتبع مؤثرات العصر الحديث. ففي الشعر مثلاً، لم يعد أمراً طبيعياً أن
يقرض الشاعر اليوم شعراً كالشعر الجاهلي. والتصوير في مختلف عصوره يتقارب في نقاط أساسية
هي جمال الألوان، جمال الخطوط، وجمال الأشكال مجتمعة كلها لتعبر تعبيراً صادقاً عن
ناحية من نواحي تحسس الفنان لكل عصر


والفنان الحق يجب أن يعرف ماذا يرسم و لماذا هو
يرسم
. فماذا تعني
صورة نخيل رسمت كما يراها الفوتوغرافي؟ وأين هو التعبير في صورة تفاحة نقلت
نقلا حرفياً؟



في التصوير ناحية "الهرموني" في الألوان
معقدة و مهمة كما في الموسيقى، فالألوان لا تأتي عرضاً في الصورة الجيدة،
قديمها و حديثها. و في كل صورة تجانس خاص يغير روحية الصورة مع الخطوط والبعد
والظل والضوء


والفن الحديث هو في الحقيقة فن العصر، والتعقيد
فيه ناتج عن تعقيد العصر. انه يعبر عن أشياء كثيرة : القلق، الخوف، التباين الهائل
في أكثر الأشياء، المجازر البشرية، وابتعاد الإنسان عن الله، ثم النظرة الجديدة إلى
الأشياء بما أحدثته النظريات الجديدة في علم النفس وباقي العلوم


خذوا مثلا صورة" كلب يعوي في ليلة باردة
" ، و هي إحدى معروضات هذا المعرض. تصوروا وحشة الليل- الظلام- البرد ثم صوت
الكلب وهو يعوي: هذا موضوع حديث و حي يعيش معنا. ولكن كيف تعبر عن هذه الأشياء تجعلها في
قالب فني مؤثر؟ لا شك انك تستعمل الألوان والخطوط. ومن المضحك أن ترسم ذلك
المنظر فوتوغرافيا.

ترى هل تساءل احدنا لماذا تزجج قبب المساجد بالأزرق؟ ذلك لان المسجد روح
علوية، و لا شيء كالزرقة يعبر عن ذلك


إن الفنان يتابع ما يجري حو له و يعبر عنه بإخلاص،
و لكن عليه أن يعرف كيف يحقق هذا التعبير


مجلة الثقافة الجديدة العدد 292




عن كتاب جواد سليم ونصب الحرية

تأليف جبرا
إبراهيم جبرا ص 189-194

Admin
Admin

ذكر عدد الرسائل : 824
السٌّمعَة : 22
نقاط : 147
تاريخ التسجيل : 26/07/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى