في المفهوم المابعد ثوري «للطاولة»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

03082011

مُساهمة 

في المفهوم المابعد ثوري «للطاولة»




في هذا اللقاء الأول «المابعد ثوري»، على غرار ما راج في الغرب عن الحداثة وما بعدها، القي عليكم تحية ملؤها الشك والخوف والريبة من أن ينقلب مجلسنا هذا إلى محاكمة أو إلى مجرد كلمات مبعثرة، نقولها فقط، لنملأ فضاء اجتمعنا بالهراء.
لنتساءل إذا عن فحوى هذا اللقاء وعن الغاية منه في عطلة آخر الأسبوع هذه التي يطيب لكل مبدع من بيننا أن يقضّيها مع من يُحب ومع من يجتمع معه من الأصدقاء حول طاولة، عادة ما تُوشح بألوان زجاجية خضراء وحمراء. وتنعش هذه الألوان الزجاجية الروح وتجعل من انبثاق الكلام، حتى وان لم يكن له معنى، غاية في حد ذاته. وإذا لم يكن المعنى هو المقصود في التقاطع العشوائي لكلماتنا حول هذه الطاولة، فهل أن اللقاء وفعل الكلام في حد ذاته، هذا الكلام الذي ظلّت شفاهنا تتحرك لسنين طوال دون أن تقوله، هما المختزلان الأساسيان لكل المعاني؟
ودون التدقيق أكثر فيما هو مَوْضُوعٌ فوق الطاولة في عطلة آخر الأسبوع، فان مَوْضُوعَ «الطاولة» في ذاته يضل مهمًا للغاية في ثقافتنا التونسية اليومية. والطاولة هنا ضرب من المجاز من قبيل «ايجاو نقععدوا على الطاولة» أو «طاولة وأربعة كراسي» أو «اضرب على الطاولة» أو «تحت الطاولة«... كل هذه الصور اللغوية المتداولة وغيرها يمكن أن تجعلنا نرتقي بمعنى «الطاولة» إلى مستوى المفهوم: الطاولة كـ«مربع للتعددية». هذه الكلمة ورثتها عن والدي رحمه الله، تقاسمها وثلة من رفاق دربه في زمن القمع والاستبداد الذي عاشته أجيال كثيرة من المثقفين والمبدعين التونسيين الأحرار.
وفعلا، في غياب «الكراسي» اليوم، كمفهوم كليانيٍّ يلغي كل المفاهيم التي تجول في مداراته، يمكننا أن نجلس على الطاولة وأن نلتقي بالرغم من كل اختلافاتنا حول ضرورة النهوض بقطاع الفنون التشكيلية في بلادنا وتحريره من التبعية العمياء والانصهار اللامشروط في الخطاب السلطوي أحيانا والديماغوجي أحيانا أخرى كثيرة. ولنتفق قبل الجلوس بان الفعل الإبداعي الحر، لا الفعل التشكيليّ المتمحور حول خطابات خارجة عنه، هو موضوع طاولتنا اليوم.
إن الالتزام الإيديولوجي للفنان الذي يتسق تماما مع الخطاب السائد- حتى وان كان هذا الخطاب ثوريا- لا يمكنه أن يكون إلا ضربا من ضروب الدعاية أو الديماغوجية الغائية الخارجة عن نطاق الممارسة الإبداعية الحرة. وليس من المفروض علينا أن نقضّي نصف قرن آخر حتى نعي بان الاتّساق الكلي واللامشروط بين الفنان أو المؤسسة الفنية- جمعية كانت أو مدرسة أو ودادية- والتوجهات السياسية الرائجة أمر واقع ومحتوم يجب علينا إتّباعه والخضوع له.
وفي ذلك تحدٍ يجب على الفنان والمؤسسة الفنية «المابعد ثورية» أن تربحه وتنهض به كرهان. فتاريخ الممارسة التشكيلية في تونس مترسخ منذ بداياته في خلفية إيديولوجية وسياسية. ويتعلق هذا الأمر ببقايا إرث منحدر من الرواد الأجانب، ممهدي الطريق، وتابعيهم من «مدرسة تونس» الذين ضمّنوا الاستمرارية. كما نعتبر الممارسة التشكيلية لهؤلاء «الفنانين/النجوم»1 تجربة استثنائية مبهرة على ما حصل من اندماج كامل بين السلطة و«الطليعة» بغية مساندة مشروع الدولة الناشئة المستقلة عبر تأسيس فن تونسي.
وإرادة احتواء الممارسة التصويرية من قبل السلطة السياسية هو ترجمة للرغبة العميقة لأصحاب القرار في إعطاء صورة متميزة ومتفردة عن بلد استحق استقلاله، نظرا لآن الصيغة الاستعمارية للبلاد التونسية هي المحمية وليست المستعمرة على عكس البلدان التي جاورتنا. والغريب في الأمر بأن القصة تتكرر وتتخذ هذه الحماية الفرنسية أوجها مختلفة اليوم، في الزمن «المابعد ثوري». فهل توجب علينا أن ننشأ أنماطا فنية طلائعية جديدة حتى نقنع هذا المُحتل القديم برفع وصايته عنا ؟ عموما، هذا ليس موضوع جلستنا اليوم، بالرغم من أنه يشكل مفهوما آخر للطاولة.
وكان السياسيون التونسيين، ولا يزالون، يبحثون عن المحافظة على علاقات طيبة مع فرنسا والآخر الغربي بشكل عام. ولإخراج صورة هووية في أحلى حلة، انصرف جمع من الفنانين في درب تحليةٍ «مُتَوْنِسَةٍ» لممارسة فنية غربية الأواصر. و كلكم تعلمون بقية القصة.
غير أن تاريخ الفن، في مده و جزره اللامتناهي بين الخلفية الإيديولوجية للممارسة الفنية وأبعادها الجمالية والروحية، قد علمنا بأن ذريعة الخوض في تجربة إبداعية لا يمكن أن تستوفي أبدا كل هذه الأبعاد مجتمعة. وقد تتعدد الأمثلة على الزيجات الحافلة التي تمت عبر التاريخ بين البعد السياسي والممارسة الفنية الثائرة والمتمردة. فمن الرسام دافيد إلى ديلاكروا مرورا بالرسام غويا وعدد آخر كبير من الحداثيّين والمعاصرين، كانت القضية الثورية مندفعة بصفة مضاعفة في العمل السياسي من جهة والعمل الفني من جهة أخرى.
و لقد مكنهم هذا الأمر من بث نفس عميق ومتجدد على بحوثهم وممارساتهم الإبداعية، المستقلة بالأساس، مع إضفاء نفحة نضالية عليها. ولا يعد هؤلاء الفنانون «طلائعيون» لأنهم دافعوا عن قضايا عادلة ومشتركة بل بالأحرى لأن رسومهم وأدبياتهم ولغتهم كانت ثورية في حد ذاتها. و في هذه الحالة يمكن الحديث عن توافق ذي طبيعة إيديولوجية بين الالتزام الفكري للمبدع والقضية الاجتماعية والسياسية التي تدافع عليها المجموعة، فكلاهما يستند إلى خلفية فكرية واحدة نضجت بعد فترة طويلة من عمل المفكرين الأحرار والمستقلين.
ومن جهة أخرى، يصادر الفنان الاسباني أنطونيو تابياس في كتابه ممارسة الفن على وجود تقدم متواز بين عمل الفنان وعمل سائر المثقفين وتنبثق عن هذا التقدم صيرورة نضالية فكرية تتغذى بحوار مستمر ودائم:
إذا ما توصلنا إلى إدراك الواقع بطريقة جديدة، فإن مرد هذا ليس مجرد نزوة شخصية بل إن هذا الأمر يعود إلى حصول أحداث مخصوصة وملموسة توجد من حولنا. إذن لا يتعلق الأمر برؤية فردية ومنعزلة بل يتعلق برؤية جماعية لقطاع كامل من جيل عاش ويعيش أحداثا تؤثر فينا: هذا الجيل يتكون ممن يمكن تسميتهم بالمثقفين التقدميين ،أو الطليعة، والمساهم بمشاركته في بلورة رؤية جديدة2.
و بالانضمام إلى هذه الأفكار بشأن الالتزام الثقافي والسياسي لجيل بكامله من فنانين ومثقفين، فإننا نعتقد أن الأعراض المرضية التي تحول دون بروز فعل خلاق ومستقل راجعة بالأساس إلى غياب عمق نظري يدير بالتوازي ما يضفيه الفكر على الإبداع.
ولما كان هذا الفعل المرجئ غائبا، فإن إمكانية السقوط في التعسف الإيديولوجي واردة جدا. بالإضافة إلى ذلك، فان علاقة الإيديولوجي بالنظري تظل ملتبسة وغامضة: فمن جهة تحتاج النظرية للبعد الإيديولوجي الذي يؤمن لها استمرارية التحفز والالتزام ومن جهة أخرى فان كل إفراط يحولها إلى عقيدة جامدة ذي صبغة دعائية.
إن الايدولوجيا المقصودة هنا يجب أن تفهم بصفتها لغة جماعية ومجتمعية تتمفصل فيها مصالح المجموعة وقيمها. ويمكن أن يصير نظام القيم ميدانا للتوترات والصراعات ما بين الأفراد أولا، حيث أن كل فرد يبحث إما عن فرض نظامه على الآخرين أو الخضوع لسلطة أعلى، وبين المجموعات ثانيا التي يعتبر المتداول من خطابها سجالا صداميا في حد ذاته يتبناه الفرد ويعيد بناءه وفق مصالحه وأنظمته القيمية.
في هذا المعنى، يمكن تعريف الايدولوجيا بكونها نظاما من القيم الجامعة بين المبدعين والمثقفين في بلد معين. ولهذا النظام أن يصبح صارما وسلبيا إذا ارتبط بخطاب لا عقلاني ومونولوجي. وعلى افتراض أن هذا الخطاب مترتب عن مداولات اجتماعية مشتركة ومهيكلة وفق ثنائيات ثابتة بين الحق/الجمال والخير/ الشر وغيرها من الثنائيات الأفلاطونية، فان أفق التفكير الحر يصبح ضيقا، وتتراجع النظرية.
وان حررت فينا هذه الثورة بعضا منا، أي بعضا من مكنوناتنا التي كنا نجهلها أو نتجاهلها، فلأنها أطلقت العنان للسانٍ صار يبحث عن شيء من الحقيقة الساكنة فينا، عن ذات ليست منشطرة بين ضروراتها الداخلية وضروراتها الخارجية. ونحن هنا غير بعيدين إطلاقا عن فكرة لميشال فوكو حين يعتبر بأن الإنسان لا يحتاج فقط لسجان حتى يكون مضطهدا. فأن تكون مضطهدا هو أن لا تقول أنا إلا و تكون هذه الأنا مشطورة على نصفين. لنحذر إذا، بعد هروب السجان، من أن نكون مضطهدين لأنفسنا.
ولنجلس الآن على الطاولة بعد أن اتفقنا على خطوطها العريضة ولنتفانى منذ اليوم في تخيّل تفاصيلها وكل الزخارف التي يمكن أن تنتقش من حولها وتوشحها. ولكن أين هي الكراسي التي سنجلس عليها للاجتماع؟ هل سنفترش الأرض؟ هل سنجلس فوق الطاولة؟ هل سنظل واقفين؟
نعم سنظل واقفين. نعم سنظل واقفين. نعم سنظل واقفين. وقوفا إذا لحظة صمت ترحما على أرواح شهدائنا الأبرار.

* *
تتنزل هذه المداخلة ضمن فعاليات الندوة التي نضمها اتحاد الفنانين التشكيلين النونسيين تحت عنوان «واقع الابداع التشكيلي و آفاقه بعد الثورة». ونظم هذا الملتقى الوطني بالحمامات يومي 3و 4 جوان 2011.
1 ـ أخذت هذه العبارة من مقال لإيلان ميكو Ellen Micaud عنوانه «ثلاثة عقود من الفن التونسي» نشر بمجلة أفريكا آرت Africa arts التي تنشرها جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلس 1968، ص46.
2 ـ أنطونيو تابياس، «ممارسة الفن» «La pratique de l’art»، منشورات غاليمار بالنسبة للترجمة الفرنسية، 1974، ص 57. (أنظر الأصل الفرنسي للترجمة العربية في الملحق).

خالد عبيدة: فنان و باحث تشكيلي

ISAMK
Admin

ذكر عدد الرسائل : 220
السٌّمعَة : 10
نقاط : 135
تاريخ التسجيل : 31/07/2007

http://www.isamk.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى