(ليلة واحدة لا تكفي) .. سرد كابوسي يقوم على المفارقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

(ليلة واحدة لا تكفي) .. سرد كابوسي يقوم على المفارقة

مُساهمة من طرف lamalice في الخميس أغسطس 21, 2008 12:12 am

(ليلة واحدة لا تكفي) .. سرد كابوسي يقوم على المفارقة

خليل الخطيب*

يختار الكاتب خالد أبو الخير، لمجموعته القصصية الأولى عنواناً تسويقياً : ليلة واحدة لا تكفي ، وهو عنوان يداعب أحلام القارئ التي تهجس بالجنس، وتوهمه أنه سيقرأ مجموعة قصصية إيروتيكية . لكن الكاتب لن يُحسَد على موقف قرّائه، بعد أن يتموا القراءة -إن استطاعوا- مقلّبين الصفحة الأخيرة بغضبِ مَن تعرَّضَ للغش في سلعة اشتراها بدافع من رغبة سرية!
بعد قراءة هذه المجموعة، ربما يكون بالإمكان سبر أغوار الكاتب؛ فإذا كُنّا نصف كاتباً بأنه جاد، وآخر ساخر، وثالث متشائم، ورابع متفائل، فإنه يمكن وصف خالد أبو الخير، كما تظهره هذه المجموعة، بأنه كاتب مشمئز بامتياز!



هل نتحدث عن غثيان سارتر؟ عن عبثية بيكيت؟ عن جنون يونسكو؟ عن يأس نيتشه من صلاحية البشر؟... الفرق ليس ببعيد، إذ إن ألم رصاصة في ساق أميركي في عصر الكاوبويز ، لن يختلف عن ألمها في كتف إنجليزي تلقاها خطأً في رحلة صيد للثعالب.. ما تقوله مجموعة خالد أبو الخير ليس إلاّ تبّاً !


بعيداً عن المحتوى، ثمة مقاربة أو مباعدة بين ما يطرحه أبو الخير وبين كلٍّ من تشارلي شابلن ، و مستر بين ؟ فشابلن الذي صُمم حذاؤه بحيث يتجه الطرف الأمامي للفردة اليمنى نحو اليمين، والطرف الأيسر للفردة اليسرى نحو اليسار، فرض على المشاهد أن يقع في العجز عن تحديد اتجاه سير تشابلن عندما يسير، ما يفرض مفارقة تخطف ضحكات المشاهد، وما يفرض حالة حيرة وجودية على المشاهد الذي يذهب إلى عمق ما يعرض عليه: من منّا يعرف من أين أو إلى أين؟.
أما مستر بين فقد لعب على مفارقة لغوية حين اختار هذا الاسم لبرنامجه، فأنت إن قرأت الاسم بدلالته الكتابية: Mr Bean
، فإنها تعني: السيد فاصولياء ، وهو ما يقارب الرجل الأخرق بالعربية، أيّ الرجل الذي يقع في العثرات نتيجة لحمقه وتسرعه الدائمين، أما إن قرأته
بدلالته الصوتية:
Mr Been ، فإنه يصبح الفعل الماضي التام من الفعل Be ، وهو ما يقارب السيد وُجِدَ بالعربية، فتحيلك هذه القراءة إلى سؤال تشابلن تلقائيا!
خالد أبو الخير، لعب على مفارقة لا تبعد كثيراً... لعب على ما يمكن تسميته خواتم اللحظات . إن مفارقة أبو الخير تشبه تعابير وجه لاعب كرة قدم أحرز هدفاً في اللحظات الأخيرة من المباراة في مرمى فريقه!
نجد ذلك أحياناً في ختام فترة، أحياناً في ختام القصة: بمحاذاة التابوت.. تناثرت هياكل عظمية لخدم وحشم، دفنوا ذات طقس مع سيدهم ليخدموه في الحياة الآخرة، وتمثالاً لكلب.. حارس، يحرس ماذا؟ (قصة الملك ، ص 17).
يلاحظ القارئ مفارقتين صاعقتين، بين عظام الخدم الذين قتلوا، وتمثال الكلب الذي من المؤكد أنه لم يُقتل.. فهو تمثال؛ وبين كلب حارس، والتساؤل: يحرس ماذا؟ إذ لا شيء يحرسه تمثال في قبر.. كيف يحرس الصمت صنماً؟!
وثمة مثال يكشف عن جمال المفارقة : تسليت بإعادة ترتيب الأشياء: العاصمة التي لم أبلغها بعد، والقطار، والمدينة، والمحطة، والشارع، والغبار، والنسوة، نسيت الجنود: الجنود لا يذكرهم أحد! (ليلة واحدة لا تكفي، ص 27).
نجح أبو الخير في قذف اشمئزازه فجاً كسفرجلات غير ناضجة، من خلال اعتماده أسلوب السرد الكابوسي في معظم قصصه، فالقصص: رأس واحد و الملك الهارب ، وليلة واحدة لا تكفي ، و آخر بحر ، و محمود يستحم في بانيو .. وبقية قصص المجموعة باستثناء قصة الأسماك الذهبية هي كناية عن كوابيس لا تتمنى أن تعيشها. أمّا الأسماك الذهبية ، فهي ارتداد رومانسي في الذاكرة نحو ماضٍ ما يزال يحتفظ بألق من نوع خاص.
لكنكابوسيته السردية لم تؤثر على مسار الزمن الذي حافظ على مسار مستقيم من
الماضي الى الحاضر في جميع هذه القصص، وهو ما قد يؤخذ عليه حيث ينظر بعضهم الى أن تفكيك الزمن هو أهم العناصر الجمالية في السرد كابوسي الطابع، لكن من قال إن في الأدب وصفات جاهزة. كما إن المحافظة على استقامة الزمن أيّاً كان أسلوب السرد تبقي للقارئ غير المتخصص حبلاً يربطه بالنص وتزيد من فرص استمراريته في القراءة.

أمّا المكان، فقد سجل حضوراً طاغياً في المجموعة، بصرف النظر إن كان هذا المكان حقيقياً أم متخيلاً، فمن خلال مقاطع وصفية قصيرة تمكّن خالد من إعطاء المكان حضوره ليبدو حيزاً يشكل صورة الكابوس وجوهره في آن معاً: بلحظة... لم يتبق ولا حتى رأس واحد خارج الحفر المنتشرة بتصميم هندسي لا يخلو من لمسة عبقرية على الطريق الإسفلتي السريع الذي يخترق العاصمة (رأس واحد فقط، ص 7).. وبمقاطع مشابهة في القِصر يصبح المكان في القصة لوحة نستمتع برؤيتها عبر الكلمات، ثم اخلاص الكاتب العنيد لاشمئزازه: في ذلك الوقت الذي يكتسي بشحوب لا مرئي ينسل العمال طافحين بالبشر والأمل والعزم في مواجهة خياراتهم البائسة، وشيئاً فشيئاً.. تبدأ المدينة تستيقظ من سباتها: أصوات باعة الكعك، وصرير أبواب المحال التي تفتح.. وأجراس تقرع لقطعان بلا سبيل .
لكل عمل أدبي مفتاحه، يتركه الكاتب بوعي أو بلا قصد، ومفتاح فهم هذه المجموعة يعلقه أبو الخير على جدار الصفحة الأخيرة من مجموعته القصصية متمثلاً في قصة بعنوان رجل (ص 103):.
كان الرجل يسير على حبل مشدود بين جبلين.. كل ما في الأمر أنه وجد نفسه فوق الحبل، وأن عليه أن يختار بين أن يسقط في الهاوية، أو يسير إلى.. الهاوية!؟ .
مجموعة أبو الخير، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، في طبعتها الأولى 2008 تحتوي على خمس عشرة قصة قصيرة، تقع في مئة وخمس صفحات من القطع المتوسط، بغلاف فني من تصميم نضال جمهور.

* كاتب أردني - جريدة الراي

lamalice

عدد الرسائل : 35
السٌّمعَة : 1
نقاط : 11
تاريخ التسجيل : 17/10/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى